محمد كرد علي
144
خطط الشام
العسرة . فغرّموا على تحسينها أموالا ، وصرفوا قواهم إلى الانتفاع بها ما أمكن . وكان العربان يداهمون حتى القرى القريبة من الحواضر ، ويطلبون منها « الخوة أو الخاوة » وهي مبلغ من المال يتقاضونه من الفلاحين البائسين يؤدونه لصعاليك البدو صاغرين ، وإذا استنكفوا عن أداء ما يطلب منهم ، محتجين بضيق ذات اليد أو رداءة الموسم ، نهبوا دورهم وحرقوا عروضهم وغلاتهم واعتدوا على أرواحهم . وقد كانت معظم الأرياف مأوى الأشقياء وعصابات قطاع الطرق ، فما كان الفلاح يجسر أن ينتقل من قرية إلى أخرى ، أو يحمل محاصيله إلى المدن ، ولا أن يعمل في حقله البعيد قليلا عن القرية أو المزرعة . فلما طبق قانون الولايات سنة ( 1281 ه ) ثم أنشئت المحاكم النظامية كان من أثرها القضاء على عصابات من أرباب الدعارة ، وقلّت الشقاوة ، فانصرف الفلاحون كلهم إلى العمل ، لأن الأسعار بدت بالارتفاع ، فبعد أن كان الحوراني ينقل غلاته على الجمال إلى بيروت أو عكا فلا يتحصل منها غير أجرة النقل ، أصبح الفلاح يحمل غلاته إلى المواني البحرية ولا سيما غزة ويافا وحيفا وبيروت وطرابلس واللاذقية والإسكندرونة فتأتيه بأرباح طائلة ، لأن الحبوب كالثمار ، أصبحت تسافر في البحار ، ويدفع في ثمنها النضار . وانتبه الفلاح لحاله بكثرة اختلاطه بابن المدن فعرف بؤسه ، فلم يكن على ما كان منذ سبعين سنة مملوكا لجهله الطبيعي . ولظالميه من المرابين وغيرهم من أدوات التخريب . وكان من تأسيس المصارف الزراعية ، وإن كانت قليلة رؤوس الأموال ، ويجب أن يكون فيها التسهيل كثيرا ، أن أنزلت معدل الربا إلى سبعة في المئة ، فخففت من غلواء المرابين والصيارفة . ولو زيد في ترقية المصارف الزراعية وأنشئت مصارف عقارية تقرض أرباب العقارات أيضا بفائدة معتدلة لزادت المنافع المطلوبة للزراعة . وصادف أن قلت آفات الزراعة في العهد الأخير ، فأصبحت الأوبئة في البشر والبقر لا تفعل فعلها الشديد كما كانت في الأدوار السالفة ، وردمت بعض المستنقعات الصغيرة التي كانت بجوار بعض القرى ، وعني ديوان الصحة بفتح مستوصفات في القصبات ومستشفيات في المدن ، فتحسنت الصحة بعض الشيء ، وأصبح الفلاح يدرك فائدة التطبب ، وإن أعوزه الطبيب أحيانا ، وفتحت وزارة